ابن جبير
159
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
المتقدمة الذكر حال تؤدة ووقار بالإضافة إلى هؤلاء الأعاجم الأغتام نفعهم الله بنياتهم وقد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله والله يغفر للجميع وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمى بأنفاس الشوق وطيشه والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك أثر صلاة العتمة نصب منبر الوعظ أمام المقام فصعده واعظ خراساني حسن البشارة مليح الإشارة يجمع بين اللسانين عربي وعجمي فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان فصيح المنطق بارع الألفاظ ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم إطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي فصعد أثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال رائع الجلال بارع التمام في الفصل والكمال فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة ثم تصرف في أساليب من الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا حرك بها القلوب حتى أطارها وأورثها احتداما بالخشية بعد استعارها وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ فتحار له الألباب ويملك كل نفس منه الإغراب والاعجاب فكأنما هو وحي يوحى وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل إليهم وإفاضة شآبيب الامتحان عليهم من أعجب الأمور المعربة من غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم وليست في فن واحد إنما هي في فتون شتى وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفه البرق وارتداد الطرف